محمد علي سلامة
47
منهج الفرقان في علوم القرآن
منها - أن مروان ابن الحكم قد أشكل عليه معنى قوله تعالى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا « 1 » الآية وقال لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا ، لنعذبن أجمعين ، حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب ، حين سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن شئ فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه أخرجه الشيخان . « ومنها » أنه أشكل على بعض الأئمة معنى الشرط في قوله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ « 2 » وتوهم أن اليائسة لا عدة عليها فلما عرف السبب وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء قالوا قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن ، الصغار والكبار ، فنزلت أخرجه الحاكم عن أبي فعلم بذلك أن الآية خطاب لمن لم يعلم حكم عدة اليائسات من النساء وارتاب هل عليهن عدة أولا ، وهل عدتهن كما ذكر في سورة البقرة أولا ، فمعنى الشرط « وهو إن ارتبتم » إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتدون فهذا حكمهن . ( ومنها ) أن عروة بن الزبير فهم عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة فهما من ظاهر قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما « 3 » فإن الآية نفت الجناح ( الإثم ) وهذا لا يقتضى الفرضية بظاهره حتى ردت عليه السيدة عائشة رضى اللّه عنها وبينت له سبب نزولها وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية ا ه . أي فقد نزلت الآية لنفى ما توهموا وهو الإثم على من سعى بينهما . فهذه الأمثلة وكثير غيرها تدل على أن لمعرفة سبب النزول أثرا كبيرا في معرفة المعنى وبذلك ترتفع إشكالات كثيرة وتزول أوهام باطلة ولولا معرفة السبب لظلت راسخة ومن هنا كانت عناية السلف بمعرفة أسباب النزول عظيمة .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ( الآية 188 ) ( 2 ) سورة الطلاق ( الآية 4 ) ( 3 ) سورة البقرة ( الآية 158 )